يعتبر الإدمان الجنسي من السلوكيات التي قد يؤدي إلى تدمير حياة الشخص. لكن وصف «إدمان الجنس» لا يثبت وحده وجود اضطراب؛ ويتطلب اضطراب السلوك الجنسي القهري تقييمًا مختصًا لفقدان السيطرة وتأثيره على الحياة. وتنعكس آثاره على حياة الشخص المدمن، وعلى محيطه القريب وأصدقائه.
لكن من الممكن التعافي من الآثار السلبية التي يُخلّفها هذا الإدمان على العلاقة. سواء كان الشخص هو المدمن نفسه أو شريكًا لشخص يعاني من هذا الإدمان، فهو ليس وحده، وهناك دائمًا أمل في التغيير والتحسن.
«إدمان الجنس» وصف شائع لا يُعدّ بحد ذاته تشخيصًا. ويُصنَّف اضطراب السلوك الجنسي القهري في ICD-11 ضمن اضطرابات التحكم في الاندفاعات؛ ويتطلب عجزًا مستمرًا عن التحكم في دوافع جنسية متكررة على مدى ممتد، مثل ستة أشهر أو أكثر، مع ضيق ملحوظ أو خلل مهم في الحياة. ولا تكفي الرغبة الجنسية المرتفعة أو الضيق الناجم فقط عن الرفض الأخلاقي لتشخيصه. ويمكن أن يشمل مجموعة متنوعة من السلوكيات، مثل الإفراط في مشاهدة المواد الإباحية على الإنترنت مع الاستمناء، أو الانخراط في علاقات جنسية عابرة ومتعددة، أو الإفراط في استخدام الخدمات الجنسية، مثل الجنس عبر الهاتف (1).
اضطرابات الميول الجنسية تشخيصات منفصلة، ولا يعني تشخيص السلوك الجنسي القهري وجودها أو ارتكاب جريمة جنسية. كما أن دفع المال مقابل خدمات جنسية أو ممارسة سلوك بالتراضي لا يكفي وحده لتشخيص أيٍّ منهما. من السمات الشائعة لهذا الاضطراب: فقدان السيطرة، والمجازفة العالية، والاستمرار في السلوك رغم العواقب السلبية (2).
قد يتضمن السلوك الجنسي القهري الأنشطة التالية عندما يقترن بفقدان السيطرة والضيق الملحوظ أو الخلل في الحياة؛ ولا تُعدّ هذه الأنشطة وحدها دليلًا على اضطراب:
- الأفعال الجنسية
- المواد الإباحية
- الاستمناء
- التخيلات الجنسية المستمرة
- الاستعراض الجنسي أو التلصص دون موافقة الآخرين يتطلبان تقييمًا منفصلًا عن السلوك الجنسي القهري؛ لا يُستدل على أحد التشخيصين من الآخر.
هذه السلوكيات قد تؤدي إلى عواقب وخيمة. وكما هو الحال مع إدمان المخدرات أو الكحول، يمكن أن يكون للإدمان الجنسي تأثيرات سلبية على الصحة الجسدية والعقلية، والعلاقات الشخصية، والعمل، وجودة الحياة (3).
لم يتم تحديد سبب بيولوجي وحيد حتى الآن يفسر نشأة واستمرار السلوكيات الجنسية القهرية. لكن الأبحاث تشير إلى أنه مرتبط باضطرابات نفسية أخرى، من بينها اضطرابات المزاج (مثل الاكتئاب والاضطراب ثنائي القطب)، واضطرابات القلق، واضطرابات الشخصية، واضطرابات التحكم في الاندفاعات.
من بين الأسباب المحتملة ما يلي :
اختلال في المواد الكيميائية المسؤولة عن المزاج في الدماغ :
قد تؤدي المستويات المرتفعة أو النشاط الزائد لبعض النواقل العصبية (مثل الدوبامين، والنورأدرينالين، والسيروتونين) إلى زيادة في الرغبة والسلوك الجنسي (4).
ركزت الدراسات المتعلقة بالنواقل العصبية المرتبطة بالسلوكيات الجنسية القهرية على “الأحاديات الأمينية” مثل السيروتونين، والدوبامين، والنورأدرينالين. وهنا أيضًا، فإن البحوث السريرية لا تزال نادرة. وتشير الأدلة إلى أن الأداء الجنسي الطبيعي يتطلب توازناً في هذه النواقل العصبية، كما يتضح من الاضطرابات الجنسية الناتجة عن استخدام مثبطات استرجاع السيروتونين (ISRS)، ومن زيادة النشاط الجنسي لدى الأشخاص الذين يتناولون المنشطات.
بالإضافة إلى النواقل العصبية، تلعب الهرمونات الجنسية دورًا أساسيًا في الوظيفة الجنسية. وقد تم ربط مستويات التستوستيرون بالأداء الجنسي، ولكن المثير للدهشة أنها لا ترتبط دائمًا بالرغبة الجنسية أو الدافع الجنسي.
أمراض تؤثر على مناطق الدماغ التي تتحكم في السلوك الجنسي أو تُتلفها :
يمكن أن تسهم بعض الحالات مثل الخرف، والصرع، والاضطراب ثنائي القطب، وإصابات الفص الجبهي، أو اللوزة الدماغية، أو القشرة الجبهية الأمامية، في حدوث فرط النشاط الجنسي (5).
اشارت بعض الدراسات العلمية عن سلوكيات مفرطة في النشاط الجنسي لدى مرضى يعانون من إصابات في الفص الجبهي، أو أورام دماغية، أو اضطرابات عصبية تشمل الفصوص الصدغية ومناطق الدماغ المتوسط، مثل اضطرابات الصرع، ومرض هنتنغتون، والخرف.
يمكن أن تؤدي إصابات الفص الجبهي إلى ظهور سلوكيات غير منضبطة، مما قد يفسر جزئيًا زيادة النشاط الجنسي وانخفاض القدرة على التحكم فيه. ومع ذلك، فإن المزيد من الأبحاث ضروري لفهم هذه الانحرافات بشكل دقيق، خصوصًا وأن هناك أفرادًا يعانون من إصابات في الفص الجبهي دون أن يظهر لديهم سلوك جنسي قهري.
خلل في وظائف الدماغ:
هذا الخلل يمكن أن يؤدي إلى إنشاء مسارات عصبية جديدة مرتبطة بالسلوك الإدماني.
تعاطي المواد المخدرة:
خاصة الكوكايين، والأمفيتامينات، والكحول.
تأثير جانبي لبعض الأدوية :
تم توثيق حالات من السلوك الجنسي المفرط المرتبط باستخدام أدوية مرض باركنسون، مما يدل على دور أنظمة الدوبامين في السلوكيات الجنسية القهرية (6).
علاج ادمان الجنس يكون بمساعدة أخصائي نفسي، أو طبيب نفسي، أو اختصاصي في الصحة الجنسية. ويعتمد نوع العلاج الذي سيتلقاه المريض على السبب الكامن وراء الإدمان الجنسي ومدى تأثيره على حياته الشخصية.
تُحدَّد الخطة وفق احتياجات الشخص وشدة فقدان السيطرة والحالات المصاحبة، ولا تُستنتج من صور نمطية عن النساء أو الرجال. العلاج النفسي والتثقيف أساس العلاج، وقد يناقش الطبيب أدوية خارج نطاق الاستطباب المعتمد لهذا الاضطراب في حالات مختارة، مع دعم جماعي عند الحاجة.
الأدوية:
لا يوجد دواء مُعتمد بشكل خاص لعلاج الإدمان الجنسي. ومع ذلك، يمكن تجربة بعض الأدوية التي تؤثر على الهرمونات والمواد الكيميائية في الدماغ المرتبطة بالرغبة والسلوك، والتي تُستخدم عادة لعلاج اضطرابات مشابهة (7). سيقوم الطبيب بوصف الأدوية الأنسب لحالة المريض، مع مراعاة المشاكل النفسية الأخرى التي قد يعاني منها. من بينها نذكر:
- مضادات الاكتئاب (Antidepressants): قد يناقش الطبيب استخدام مثبطات استرجاع السيروتونين الانتقائية (ISRS) خارج نطاق الاستطباب المعتمد لهذا الاضطراب في حالات مختارة، إلى جانب العلاج النفسي وبعد تقييم الفوائد والمخاطر؛ وليست العلاج الأول لكل شخص.
- مضادات الأندروجين (Anti-androgens): تخفض هذه الأدوية تأثير الأندروجينات، وقد تُبحث تحت إشراف متخصص عند وجود اضطراب ميول جنسية مصاحب وخطر مرتفع على الآخرين، بعد تقييم الفوائد والمخاطر؛ وليست علاجًا روتينيًا للسلوك الجنسي القهري.
- نالتريكسون (Naltrexone): يُستخدم هذا الدواء في علاج إدمان الكحول والأفيونات، وقد أظهر فعالية في علاج إدمان القمار، وقد يكون فعّالًا أيضًا ضد الإدمان الجنسي (8).
- مثبتات المزاج (Mood stabilizers): يمكن أن تكون مفيدة في حالات الاضطراب ثنائي القطب المصحوبة بسمات هوسية أو اندفاعية وفرط النشاط الجنسي. ومن الأمثلة على ذلك: الليثيوم، والفالبروات، والكاربامازيبين
- الأدوية المضادة للقلق (Anti-anxiety medications): يمكن تجربتها إذا كان السلوك الجنسي ناجمًا عن القلق.
- أدوية أخرى: قد يُلجأ إلى مضادات الذهان عندما تكون اضطرابات التفكير أو التهيج الشديد هي السائدة. ويمكن أن تُقلل هذه الأدوية من الرغبة الجنسية، والإثارة، والنشوة.
العلاج النفسي:
يعتمد العلاج النفسي على مجموعة متنوعة من الأساليب. وخلال الجلسات، يتواصل المريض مع مختص في الصحة النفسية يساعده على تحديد العوامل التي قد تثير سلوكيات فرط النشاط الجنسي والعمل على إدارتها (9). يُقدَّم العلاج النفسي للأفراد بشكل فردي، وأيضًا للأُسر والأزواج، نظرًا لأن الإدمان الجنسي يؤثر على الجميع في محيط الشخص المعني.
- العلاج السلوكي المعرفي (CBT): يهدف هذا النوع من العلاج النفسي إلى استبدال الأفكار والسلوكيات السلبية بأساليب بديلة للتعامل بشكل أفضل مع المواقف وتحسين التحكم في السلوك والصحة الجنسية، دون استهداف الرغبة الجنسية الطبيعية بحد ذاتها (10).
- علاج القبول والالتزام (ACT): يستند هذا العلاج إلى تقنيات القبول واليقظة الذهنية. ويهدف إلى مساعدة الفرد على تقبّل الضيق النفسي وتغيير علاقته بأفكاره بدلاً من محاولة تغيير الأفكار نفسها.
- المقابلة التحفيزية (MI): تهدف هذه المقاربة إلى دعم الشخص في استكشاف إدمانه الجنسي مع مراعاة أهدافه وقيمه الشخصية.
مجموعات الدعم الذاتي:
هي مجموعات قائمة على برنامج الـ12 خطوة، لكنها تركّز على دعم الأشخاص المصابين بالإدمان الجنسي أثناء فترات الانتكاس أو بين فترتين من الانتكاس. هذه المجموعات تركز بشكل أكبر على التعامل مع الانتكاسات، وغالبًا ما تفتقر إلى أسس قوية لمنع حدوث انتكاسات مستقبلية (11).
ومن بين هذه المجموعات: مدمنو الجنس المجهولون، مدمنو الجنس القهريون المجهولون، مدمنو الجنس المجهولون، مدمنو الجنس والحب المجهولون، مدمنو السلوك الجنسي القهري المجهولون.
علاج الهوس الجنسي عند الرجال:
لا تُشخَّص الحالة عند الرجال بناءً على قوة الرغبة أو تنوع النشاط الجنسي أو كثرة الاستمناء ومشاهدة الإباحية وحدها. يعتمد التقييم والعلاج على فقدان السيطرة وتأثيره على الحياة، مع أهداف فردية تحافظ على الصحة الجنسية.
الخيال الجنسي المتكرر لا يثبت وجود اضطراب بمفرده. وإذا وُجد فقدان للسيطرة وضيق ملحوظ أو خلل مهم، تُختار أساليب العلاج وفق التقييم، مع دعم غير إدانـي يشجع على طلب المساعدة دون افتراضات عن الرجال.
علاج الهوس الجنسي عند النساء:
تُبنى الخطة لدى النساء على التقييم الفردي، ولا تُفترض دوافع مثل البحث عن الحب أو القبول من جنس الشخص وحده. وقد تعيق الوصمة أو مشاعر الخجل والذنب الإفصاح وطلب المساعدة، مما يُحتّم توفير بيئة علاجية آمنة ومحترِمة. وإذا وُجد تاريخ من الصدمات، مثل التحرش أو الاعتداء الجنسي، فقد يستدعي اعتماد مقاربة علاجية تراعي آثار الصدمة وتُبنى على فهمها.
التعرض للإكراه أو الاعتداء الجنسي ليس بحد ذاته دليلًا على اضطراب السلوك الجنسي القهري لدى الشخص المتضرر. ينبغي تقييم السلامة واحتياجات الدعم، بينما يتطلب هذا التشخيص فقدان السيطرة والضيق الملحوظ أو الخلل في الحياة؛ لا يكفي وصف المرأة بالخضوع أو وجود علاقة غير آمنة.
«إدمان الجنس» وصف شائع؛ أما اضطراب السلوك الجنسي القهري فيحتاج إلى تقييم متخصص ولا يُشخَّص بمجرد كثرة النشاط الجنسي، إذ يعكس في كثير من الأحيان صراعات داخلية عميقة، مثل القلق، الوحدة، الصدمات السابقة، أو ضعف تقدير الذات. ومع أن المجتمع قد يستخف بهذا النوع من الإدمان أو يحيطه بوصمة سلبية، فإن الاعتراف به كحالة مرضية قابلة للعلاج يُعدّ خطوة أساسية نحو التعافي.
فبفضل التقدّم في مجالات العلاج النفسي والدعم الجماعي، يمكن للمصابين بهذا الاضطراب أن يستعيدوا توازنهم النفسي والعاطفي، ويبنوا علاقة صحية مع ذواتهم ومع الآخرين. لذلك، يبقى الوعي، والفهم غير الإدانـي، والبحث عن المساعدة المتخصّصة، من أهم مفاتيح الطريق نحو الشفاء.
(1) Grant, J. E., & Chamberlain, S. R. (2016). Expanding the definition of addiction: DSM-5 vs. ICD-11. CNS spectrums, 21(4), 300–303. https://doi.org/10.1017/S1092852916000183
(2) Maatoug, R., & Karila, L. (2019). Un tabou qui ne l’est plus : l’addiction sexuelle [Sex addiction: losing its taboo]. Soins. Psychiatrie, 40(321), 37–40. https://doi.org/10.1016/j.spsy.2019.02.001
(3) Duffy, A., Dawson, D. L., & das Nair, R. (2016). Pornography Addiction in Adults: A Systematic Review of Definitions and Reported Impact. The journal of sexual medicine, 13(5), 760–777. https://doi.org/10.1016/j.jsxm.2016.03.002
(4) Woodcock, E. A., Zakiniaeiz, Y., Morris, E. D., & Cosgrove, K. P. (2020). Sex and the dopaminergic system: Insights from addiction studies. Handbook of clinical neurology, 175, 141–165. https://doi.org/10.1016/B978-0-444-64123-6.00011-4
(5) Sinko, L., Regier, P., Curtin, A., Ayaz, H., Rose Childress, A., & Teitelman, A. M. (2022). Neural correlates of cognitive control in women with a history of sexual violence suggest altered prefrontal cortical activity during cognitive processing. Women’s health (London, England), 18, 17455057221081326. https://doi.org/10.1177/17455057221081326
(6) Leplow, B., Renftle, D., Thomas, M., Michaelis, K., Solbrig, S., Maetzler, W., Berg, D., & Liepelt-Scarfone, I. (2023). Characteristics of behavioural addiction in Parkinson’s disease patients with self-reported impulse control disorder and controls matched for levodopa equivalent dose: a matched case-control study. Journal of neural transmission (Vienna, Austria : 1996), 130(2), 125–133. https://doi.org/10.1007/s00702-023-02588-8
(7) Mestre-Bach, G., & Potenza, M. N. (2024). Current Understanding of Compulsive Sexual Behavior Disorder and Co-occurring Conditions: What Clinicians Should Know about Pharmacological Options. CNS drugs, 38(4), 255–265. https://doi.org/10.1007/s40263-024-01075-2
(8) Bostwick, J. M., & Bucci, J. A. (2008). Internet sex addiction treated with naltrexone. Mayo Clinic proceedings, 83(2), 226–230. https://doi.org/10.4065/83.2.226
(9) López-Pinar, C., Esparza-Reig, J., & Bőthe, B. (2025). Psychotherapy for problematic pornography use: A comprehensive meta-analysis. Journal of behavioral addictions, 14(2), 630–643. https://doi.org/10.1556/2006.2025.00018
(10) Hallberg, J., Kaldo, V., Arver, S., Dhejne, C., & Öberg, K. G. (2017). A Cognitive-Behavioral Therapy Group Intervention for Hypersexual Disorder: A Feasibility Study. The journal of sexual medicine, 14(7), 950–958. https://doi.org/10.1016/j.jsxm.2017.05.004
(11) Efrati, Y., & Gola, M. (2018). Compulsive sexual behavior: A twelve-step therapeutic approach. Journal of behavioral addictions, 7(2), 445–453. https://doi.org/10.1556/2006.7.2018.26
(12) Franken I. H. A. (2023). Is sexual craving a sign of sex addiction?. Addiction (Abingdon, England), 118(12), 2315–2316. https://doi.org/10.1111/add.16362


